لم أتوقع أبداً هذه اللحظات الصعبة.. هل من الضروري أن أستنفذ كلّ الفرص في الحياة!.. دعوةٌ لإفطارٍ مجانيّ في فندق التسعة نجوم هذا.. شيءٌ مربك..!
فالمكان جميلٌ.. وفخم، ولكنّه متعدد الانحناءات والاتجاهات.. وضخم، وكيفما نظرت ترى الكثير من الناس من العاملين ورؤساء العاملين ورؤسائهم وكلٌّ له لونٌ وشكلٌ وهندام، ومن الزبائن الذين يتحركون مسرعين واثقين وكأنهم يحفظون المكان.. أما أنا فكنت أدوس على الأقدام وأتحاشى الأكتاف وأبحث عن أماكن الصحون والملاعق والطعام.. وكم تعبت حتى عرفت من أين يحضرون الحساء، وما أن وصلت به إلى الطاولة (سالماً) حتى تشبثت بالكرسي ولم أجرؤ على القيام مرةً أخرى، وقلت لنفسي ربما يهدأ الناس قليلاً بعد بدء الإفطار..
والمربك أكثر أنّ مضيفي الظريف والذي حصل على الدعوتين المجانيتين (واشتهاني معه) حاضرٌ غائب، فمنذ أن وصلنا وهو كالقطار يذهب فارغاً ويعود (مزدحماً). وبينما كان أمامي طبقٌ من الحساء وماء، كانت الطاولة مائلةً أو تكاد لجهته العامرة بالأطباق.
ولم أشعر إلا وقد صدح صوت الأذان ولم يأت القطار (صديقي) بعد.. دعوت ربّي بالسلامة وأفطرت بالماء.. وما أن هممت بغمس ملعقتي في طبق الحساء حتى هاج وماج، فقد وصلت سفينة صاحبي واهتزت الطاولة كأنّها جان.. ولم نهدأ جميعاً حتى استقرّ في كرسيّه لاهثاً وخطف كأس الماء الذي رفعته باتجاهه.. وبدأ بالانتقام بلا رحمة من العطش الذي أنهكه طول النهار.













