كثيرٌ من الحب

تشرين الأول 6th, 2009 كتبها م.أحمد عزالدين شربك نشر في , قصص, قصص قصيرة

 تماثلت سمر للشفاء.. لم يعتقد أحد أن تكون هذه الفتاة النحيلة بتلك القوة.. كانت في العشرين من عمرها وقد قضت أياماً عديدةً منها على فراش المرض.

جاءت إلى الدنيا بداء اليرقان وعانت منه طويلاً في شهورها الأولى،  ثم أصيبت بالتهاب تنفسيّ بعد سلسلةٍ من الحمّى والأنفلونزا قبل أن تتم الثالثة من عمرها، ووصل الحال في أحد الأيام لأن يقول طبيب العائلة محمد لوالدها بأنها قد لا تنجو.

كان جسمها ضعيفاً جداً ولكنّ نظرة عينيها كانت عميقةً ومركّزة، وهو ما أضفى عليها سحراً خاصاً عرفه كلّ من عاشوا بقربها..

وكانت في سنين دراستها الابتدائية مثار جدل المعلمات كيف تنجح كلّ عام رغم غيابها المتكرر عن المدرسة، وخلاصة القول أنّها كانت تمتلك ذهناً متوقداً في جسدٍ منهك.

وبعد ذلك وفي عامها الخامس عشر عانت من التهابٍ في الرئة مع حمّى شديدة، وكانت بالكاد تصحو لتعود للنوم ساعات طويلة بينما تضع أمها قطع القماش المبلّلة على جبينها وقلبها ينفطر خوفاً من احتمال أن تفقدها، كانت عزيزةً وغالية.. الابنة الوحيدة والأخت الكبرى لأخوتها الثلاثة، ولكنّها نجت وخرجت من المشفى بتعليماتٍ مشدّدة من الأطباء وإبقاءٍ في المنزل.. وقد حرمها ذلك المرض الطويل من الذهاب لمدرستها الثانوية لأكثر من شهرين، ورغم ذلك وكالمعتاد فقد فاجأت الجميع ونجحت سمر في صفها..

كان والدها أبو ضياء كبيرَ المحاسبين في شركةٍ خاصة، وقد ساعدها في الرياضيات واللغة الأجنبية ولكنّ الدور الأكبر كان لوالدتها إلهام التي أعادت معها بإصرار كلّ درسٍ وواجب. ولم يكن ذلك لأنّها معلمةً سابقةً فقط بل لإيمانها بأنّ ابنتها لا ينبغي أن تتأخر عن باقي أقرانها مهما كانت الظروف.

*            *            *

وفي هذا الصيف أحسّت سمر بالمرض وقد بدأ بصداعٍ شديد رافقها من المصيف الذي ذهبت العائلة إليه، وبعد أيامٍ من عودتهم إلى الديار قال الأطباء بمرارة أنّها مصابةٌ بالأنفلونزا سيئة الذكر والتي بدأت تجتاح العالم.

قالت أمّها بعيونٍ دامعة: من بيننا جميعاً هي من حملت المرض، ليتنا لم نسافر..

أمسك زوجها بيدها وقال محاولاً منحها بعض الثقة: إنّها إرادة الله، تمسّكي بالأمل.. ليس لنا إلا الدعاء بأن تستجيب ل

المزيد


غسيل الدموع..

أيار 19th, 2009 كتبها م.أحمد عزالدين شربك نشر في , قصص, قصص قصيرة

تلمّس طريقَه بين دروبٍ وعرة تكاد تضيق عن مساحة القدمين، أنصت لصوت الموج البعيد.. ذلك الصديق.

كان يصعد ويصعد حتى امتد السهل أمامه وبعده ذلك اللون الأزرق الحالم.. لون البحر والسماء.

نظرة واحدة وطويلة ألقاها خلفه على المدينة.. أكوامٌ من الحجارة والطين والحديد تدخل في كلّ شيء.. البيوت والناس والطريق، كلّها من حجارةٍ وطينٍ وحديد..

ترك خلفه فيها زوجةً دائمة الحزن.. وأمّاً تسأل الله أن يفرّج عن ولدها ليلَ نهار.. ولدها الأصغر الذي تزوج منذ عشر سنين ولم يشأ له الله أن ينجب الأطفال.

كان قد ترك سيارته الجديدة في أسفل الطريق.. عندما امتلكها ظنّ أنّ السعادة ستغلب الحزن، وبعد ساعاتٍ قليلة عاد لما كان يردده دائماً بأنّ الحزن أعمقُ شيءٍ في الحياة.

بدأ بالنزول نحو الشاطئ وأفكاره تصرخ.. ولدٌ واحدٌ يا رب.. منذ سنينٍ وهو يسمع أصوات الأطفال في كلّ مكان، وفي بيته الواسع الفارغ كان في كلّ غرفةٍ همسٌ عجيب رغم كلّ السكون.. يلتفت حوله مثل المجانين ويبحث عن الطفل الذي ينادي.. بابا.

ترك الحدائق العامة وصارت زياراته قصيرة لكلّ من يعرف.. من الأطفال، وعندما يأتي ابن أخته المدلّل كان يترك للهاتف أو لأيّ شيءٍ أن يشغله عنه، ولكنّه اليوم أصرّ أن يجلس في حضنه.. حاول التملّص بضحكةٍ ومداعبة، ولكنّه تسلّق مع ابتسامة

المزيد


بعد سنةٍ وشهر.. وقصة

تشرين الثاني 5th, 2008 كتبها م.أحمد عزالدين شربك نشر في , خواطر, قصص, قصص قصيرة

لم أصدّق أن ألوان قد تجاوزت عاماً كاملاً..

في ذلك اليوم لا أعرف ماذا دفعني للكتابة من خلالها.. كنت قد تعوّدت منذ زمن أن لا أكتب إلا عندما يطلب مني الآخرون ذلك في دوامة العمل..

أعادتني ألوان لسنوات الدراسة عندما كنت أكتب لنفسي فأرسم بين السطور ملامحَ أعرفها وأشكالاً لم أكتشفها بعد.. لحياةٍ ملونة فيها الكثير من الدفء والأمل والحلم..

وفيما بعد.. وعندما كانت تصادفني تلك الأوراق كنت أحييها بإبتسامة.. وأمضي.

منذ سنةٍ وشهر خطر على البال سؤالٌ تائه.. إلى متى؟ فكان الجواب ضحكةً فاتنة ونسائمَ حلوة لوّنت كلّ ما حولي.. ورَمَت من كلّ لون قلماً قد اشتاق للنجوى.. واشتقت أنا لها أكثر..

ألوان.. أتمنى أن لا تكوني مجرد ذكرى في يومٍ قادم.. أرجو أن تبقي نافذةً حلوة على حدائقَ وارفة لأحبةٍ وإخوةٍ وأصدقاء.. عندما تكون كتابتي فقط.. من أجل الكتابة.. ومن قبل ومن بعد.. لإرضاء الله.

 

ولاحتفائي اليوم بألوان فقد اخترت من أوائل ما كتبت ونشرت فيها نصاً صغيراً مدللاً لديّ .. أرجو معه أن نتمنى عودة كلّ ما فقدناه من قيمٍ جميلة أو أشخاصٍ يحملونها.. حتى ولو كانت مجرد أمنيات..

إليكم.. أعيد إدراج.. ليتكَ تعود..

 

في هذه الليلة الدافئة.. جلست أحتسي كوباً من الشاي في غرفتي المطلة على البحر.

كان الباب مفتوحاً قليلاً، وكنت أسمع صوت الموج.. عميقاً متردداً يضرب بقوة ويستكين أمام عناد المرفأ الصغير..

بالأمس القريب كنت أركض خائفاً لأصل إلى الدرج الخشبي المؤدي إلى البيت.. وعندما أصعد أخشى أن يكون تحت الدرج

المزيد


قوامها النحيل..

أيلول 19th, 2008 كتبها م.أحمد عزالدين شربك نشر في , قصص, قصص قصيرة

دخل غرفته بعد إفطارٍ سريع، تناول فيه بعض الحساء وقليلاً من العصير.. جلس على فراشه، ووضع فنجان القهوة أمامه على الطاولة الخشبية الصغيرة، وابتسم.

مال بجسده ودسّ يده تحت الفراش.. ثم أخرج لفافةً من العلبة وأشعلها برفق.. ونفث في الهواء خيوطاً من الدخان الأبيض السميك.

نظر إليها من بين أصابعه بشغف.. تأمل قوامها النحيل.. الجزء الأسفل يخبئُ قطناً طريّاً، تمرّ عبره نسائمُ التبغ التي طالما دخلت في جوفهِ ساخنةً مثيرة.. وفوقه جسدٌ أبيضٌ ملتف، وفي نهايته جمرةٌ ملتهبة يتطاير منها خيطٌ متراقصٌ كالحلم.

دفعها بين شفتيه برقّة.. وامتصّ من أعماقه جرعةً كبيرةً من الدخان، ثم حبس نَفَسَه ليشعر بكلّ ذرّةٍ تدخل إلى صدرِه وتمنحه النشوة التي تعودّها عند أوّل لفافةٍ بعد الصيام.. يهتز رأسه في غيبوبةٍ مؤلمة، وخَدَرٍ غريب.

وخلال ب

المزيد


خيبة أمل..

أغسطس 22nd, 2008 كتبها م.أحمد عزالدين شربك نشر في , قصص, قصص قصيرة

الآن فقط علمتُ أين يضع المال.. هناك تحت قطعة القماش المزركشة والتي تنام عليها دميته المفضّلة..

نظرت إليه بابتسامة فقال هو ويديه: أملك سبعييين ليرة.. وقالت عيناه مليون ليرة..

قلت: كانوا أكثر!.. أجابني بفراغ صبرٍ ليذكرّني بما أنساه متعمّداً لأثير تعابير الدهشة المحبّبة لديه.. وأحياناً لأتلقّى بعض الكلمات اللاذعة:

- بالأمس اشتريتُ سيارة الإطفاء والكرة المخطّطة الكبيرة، ودفعتُ…

توقف عن الكلام ونظر ليديه اللتين تحولتا فجأة إلى ألةٍ حاسبة، ودارت مع حركات الأصابع الصغيرة جميع حواسي لأستزيد من هذه البراءة التي لا يمكن وصفها..

كنت أتمنى أحياناً أن لا يمرّ الوقت مع كلماته وحركاته وتتابع الحزن والفرح والدهشة في عيونه.. ولكنّ رنين هاتفي الجوّال في الغرفة الثانية أوقف كلّ شيء لتل

المزيد


افتتاح ساخن (الجزء الثالث والأخير)

أغسطس 12th, 2008 كتبها م.أحمد عزالدين شربك نشر في , قصص, قصص جنائية

 

(ملخص الجزء الأول: افتتح المحقق هاني والمحامي حازم مكتبهما للتحريات الخاصة وكانت قضيتهما الأولى متعلقة بترويج المخدرات حيث وجدت الشرطة ليلاً.. رجلاً مخدّراً بعيداً عن الشبهات في حديقةٍ عامة وعليه بعض آثار الدماء وفي دمه آثارٌ للهيرويين. وقد أُحيلت القضية لقسم مكافحة المخدرات، وللمحقق الخاص هاني الذي قابل الرجل المستهدف في المستشفى.. وعرف أنه اصطدم بفتاةٍ غريبة في طريقه إلى الحديقة، كما علم أنّ الشرطة وجدت شعرة نسائية عالقةً على يده.. وقرّر أن يبدأ تحركاته)

 

*                  *                  *

 

(ملخص الجزء الثاني: وصل المحقق هاني لاسم الفتاة المحتمل تورطها في القضية.. وعرفت الشرطة أنها صيدلانية وأنها اختفت مع مندوب دواءٍ زائفٍ منذ الحادثة.. وتم الكشف عن معلوماتٍ تتعلق بالسيد مروان فهو محاسب في وزارة الاشغال وفي مختبر طبي مساءاً رغم أنه وريثٌ لأموال كثيرة وصاحب الحصة الأكبر في شركة هندسية تتولى أخته الوحيدة إدارتها.. وقد أوضح هاني للسيد مروان أنّ الإبرة التي حقن بها كانت من الهيرويين الصافي بغرض قتله وطلب منه أخذ الحذر عند خروجه من المشفى.. وخاصة أنّه مقبل على الزواج بعد أيامٍ قليلة)

 

*                  *                  *

 

الجزء الثالث:

 

استدعى المفتش جابر صديقه المحقق هاني في مساء اليوم التالي ليبلغه بالعثور على جثة الصيدلانية سمر مرميةً في أحد الأحراش القريبة من إحدى بلدات الغوطة الشرقية لدمشق.. وعندما وصل هاني أمر المفتش أمين مكتبه بإغلاق الباب وإيقاف اتصالاته العادية..

- لقد وجدها بعض الصبية بينما كانوا يلعبون في المكان بعد الظهر.. كانت الجثة في كيسٍ بلاستيكيٍّ كبير بين بعض الشجيرات.. وقد أبلغوا مركز الشرطة..

- ولكنك لم تبلغني حتى الآن!

قال المفتش جابر معتذراً: لقد كنتُ مشغولاً جداً، فقد أصبحت القضية موضع اهتمام مدير البحث الجنائي بعد تطوّرها لجريمة قتل.. والآن نحن نعمل بكثافة، وقد توصلنا للكثير من المعلومات..

- إنني مصغٍ يا سيدي..

ابتسم المفتش لأنّ كلامه الآن في موقع الأهمية القصوى لصديقه الذي يدّعي دوماً بأنّه يعرف كلّ شيء.. وقال بعد أن تراجع بكرسيه مختالاً إلى الخلف:

- لقد تعرضَتْ لطلقة مسدس في جبينها من مكان قريب وقد علمت من الطبيب الذي عاينها بوجود كدمة لم تستطع الرصاصة إخفائها تسبّبت بفتح جرحٍ عميقٍ في جبهتها، ويعتقد أن ذلك حدث قبل إطلاق النار عليها حسب شكل الجرح وتخثّر الدماء..

- هذا يؤكّد ما ظننتُ به..

- وهل عرفت مسبقاً أنها ستُقتل..

- ليس تماماً.. كنت أرجّح فقط أنّها الطرف الأضعف في هذه القضية.. وماذا عن تقرير الطب الشرعي؟

- كانت مدمنة هيرويين من الطراز الأول.. إضافةً لبعض المواد المخدّرة الأخرى..

تابع هاني عنه: وهذا الإدمان كان يتزايد مما أدى لبدء ظهور آثار واضحة في أماكن مختلفة من جسمها.. وحول عينيها..

- تقصد النظارات الغريبة.. نعم كان ذلك سبب وضعها لها طوال الوقت..

- وهل استنتج أحدٌ ما بأنها كانت فأر تجارب؟

نظر المفتش جابر إليه بحنق وقال من بين أسنانه: نعم لقد ذكر الطبيب ذلك.. كان تركيز بعض شوائب الهيرويين ملحوظاً.. وهي لا تكون عادة موجودةً في الشكل النهائي للهيرويين الذي يُباع للمدمنين..

لم يبد على هاني أيّ تأثر بمشاعر المفتش طيب القلب المحبطة وقال:

- أخبرني عن التحقيقات الأخرى التي يقوم بها رجالكم منذ الأمس؟

- لقد قمنا بدهمٍ سريع بعض ظهر هذا اليوم لعناوينَ وجدناها في شقة مندوب الدواء المزعوم سميح سلطان.. وقد تبين لنا بالمناسبة أنّه طبيبٌ مفصولٌ عن ممارسة المهنة من نقابة الأطباء.. كذلك تمّ القبض على أحد المروّجين الصغار، وقد حصل عناصر مكافحة المخدرات على أسماء عددٍ من المروجين الآخرين ومعظمهم يعملون في حِرَفٍ غير مشبوهة.. يبدو أنّها شبكةٌ كبيرةٌ ومنضبطة تتم عملياتها تحت ستارٍ محكمٍ من الكتمان.. ونحاول الآن أن نتصرف بسرعة على أمل الإيقاع بالرؤوس أو الرأس المدبّرة والذي قد يكون سميح نفسه.. ثم تابع:

- لقد دخل رجالنا إلى  بيت الصيدلانية وأخذوا عينات من شعرها، وسيأتيني التقرير عاجلاً حول مطابقته مع الشعرة التي وجدناها على يد السيد مروان..

قال هاني بثقة: إنّه يكذب.. لقد رأيتُ الكثيرين مثلَه..

- أنت تؤيدني أخيراً في شيءٍ ما.. لقد شككتُ في مروان هذا منذ اللحظة الأولى..

وعندما لمح تلك النظرة الخاوية من أيّ تعاطفٍ أو مديح غيّر الموضوع مباشرة ليقول:

- سأستعجل التقرير.. وبينما أمسك بالهاتف رنّ جهاز الجوّال الخاص بهاني ليقوم من كرسيّه مسرعاً إلى زاوية الغرفة ويتحدث بصوتٍ خافت، ثم عاد بهدوءٍ شديد إلى مكانه ووضع رأسه بين كفّيه..

أغلق المفتش جابر الهاتف بجلبةٍ مقصودة وقال: نعم يا سيدي إنها نفس المرأة، فالشعر متطابق.

- لن أستغرب ذلك.

تجاهل المفتش هذا التعقيب وتابع:

- لقد عرفنا الآن كل ما يتعلق بالمتورطين في القضية.. حتى المختبر والشركة بالنسبة للسيد مروان فقد دققنا في كشوفاتهما ولم نجد مايريب.. ويبقى أن نقبض على أفرادٍ آخرين من هذه الشبكة لنصل إلى بعض المعلومات التي ربما تمكّننا من كشف غموض القضية.

قال هاني: ولكني أملك مثل هذا النوع من المعلومات قبل أن أصل لمكتبك..

- من أين..؟ وما هي هذه المعلومات؟

- إنها زوجته..

- ماذا!.. من هي؟.. سمر!.. زوجة من؟.. زوجة مروان! أنت تهذي.. كنّا سنعلم ذلك بكلّ تأكيد.. فقد تحرّينا في السجلات المدنية!

- يا سيدي لقد بحث رجالكم عن عيناتٍ من شعرها.. كان هذا ما يريدون إيجاده، أما أنا فقد بحثت عن أمورٍ أخرى..

- لم أفهم.. ماذا تقصد بالله عليك؟

- القصة طويلة.. والمهم فيها أنّ السيد مروان كان متزوجاً من الصيدلانية سمر بعقدٍ مدني.. أي مجرد ورقة، والمرأة لا تضحي أبداً بهذه الورقة.. وقد وجدها رجلٌٌ يعمل لحسابي مخبأةً بين ملابسها بعناية، ووجد أيضاً..

تنّفس عميقاً فبل أن يتابع: .. وجد مذكراتها.

- مذكراتها..! عقد زواج..! تعمل من خلفنا وتستخدم طرقاً غير قانونية. متى ستتوقف عن ذلك، وماذا يمنعني من إلقاء القبض عليك..؟

هبّ هاني واقفاً وهو يبتسم: يمنعك أنّك تحب أعمالي التي لا تجرؤ أنتَ على القيام بها.. وبينما تجمّد المفتش جابر، اقترب منه هاني ومال برأسه إليه ليقول:

- بالمناسبة فقد فاتك احتفال المهندسة هيفاء بخروج أخيها سالماً من المستشفى.. وقد تمت دعوتي شخصياً.. وتعرّفت على “حماته” وخطيبته التي ستكون زوجته غداً.. وسيغادر معها إلى إيطاليا في الساعة الخامسة مساءاً.

مرّر المفتش جابر كلّ أصابعه على وجهه وهو يكاد يُجّن:

- بالله عليك، لقد أتعبتني.. عرفنا بحجوزاته للسفر ولا أدري لماذا لم أقل لك ذلك.. ويُفترض بنا الآن حسب المعلومات التي ذكرتها لي حول ارتباطه السابق بالقتيلة أن نمنعه من السفر، وأن نقبض عليه.. وأنت تقف فوق رأسي هنا وتتحدث سعيداً عن احتفالاته العائلية..

أخرج هاني دفتراً صغيراً من جيبه ورماه أمام المفتش الغاضب وقال:

- عندما تطّلع على ما كتبته الصيدلانية سترتاح أكثر رغم أنّه مؤلمٌ تماماً..

وبينما بدأ المفتش بتقليب الأوراق عاد هاني إلى كرسيّه ليقول:

- ستجد اتهاماتٍ صريحة لمندوب الدواء المزعوم سميح بأنه أهداها علبةَ تجميلٍ صغيرة من إحدى الشركات الكبرى مع جملةٍ من الدعايات الدوائية.. وكانت العلبة تتضمن مستحضراً رائعاً لعلاج بثور الوجه الصعبة، والتي يبدو أنّه لاحظها في وجه سمر بخبرته الطبية رغم محاولاتها المستمرة لإخفائها أو معالجتها.. وعندما تقفز بضع صفحات ستقرأ كيف علمت المرحومة لاحقاً بأنّ المستحضر كان مشحوناً بنوعٍ خاصٍ من المخدرات الت

المزيد


افتتاحٌ ساخن 2

تموز 30th, 2008 كتبها م.أحمد عزالدين شربك نشر في , قصص, قصص جنائية

*                  *                  *

 

(ملخص الجزء الأول: افتتح المحقق هاني والمحامي حازم مكتبهما للتحريات الخاصة وكانت قضيتهما الأولى متعلقة بترويج المخدرات حيث وجدت الشرطة ليلاً.. رجلاً مخدراً بعيداً عن الشبهات في حديقة عامة وعليه بعض آثار الدماء وفي دمه آثار للهيرويين وأُحيلت القضية لقسم مكافحة المخدرات وللمحقق الخاص هاني الذي قابل الرجل المستهدف في المستشفى وعرف أنه اصطدم بفتاةٍ غريبة في طريقه إلى الحديقة كما علم أن الشرطة وجدت شعرة نسائية عالقةً على يده.. وقرر أن يبدأ تحركاته)

 

*                  *                  *

 

لم يمنح الحلاّق عبد السلام دخول المحقق هاني اهتماماً كبيراً وظلّ يثرثر مع زبونه الجالس على كرسيّ الحلاقة حول الرجل المقتول في الحديقة.. وعندما حان دوره التفت إليه هاني متصنعاً للحذر: يبدو أنك كنت تعرف الرجل تماماً!

- نعم يا أستاذ كان من زبائني.. ثم وضع القميص الأبيض حول كتفي زبونه واقترب من رقبته قليلاً ليضبط ربطه بإحكام وهمس في أذنه: لقد رأيته قبل أن يموت بقليل.

انتظر هاني قليلاً حتى عاد إليه الحلاق ممسكاً ببخّاخ الماء والكولونيا فقال بصوتٍ منخفض: قد تكون رأيت رجلاً يشبهه.. ثم كيف تعرف أنه قد مات؟

أجابه بصوت تهكميّ: أنا أعرفه تماماً.. يأتي دائماً في كل ليلة.. وقد مر من هنا عندما كانت زوجتي تخبرني بقدوم ضيوفها في الحادية عشرة والنصف ليلاً وقلت لها إن الوقت متأخر للزيارات وبالطبع لم تهتم.. فقط تريد مني أن أرسل لها بعض الفطائر والمثلجات.. استمع هاني بصبر مستسلماً للمقص الذي يصدح في شعره القصير أصلاً.. وتابع عبد السلام: وبعد ذلك وجده الحارس عندما تفقّد الحديقة قبل الإغلاق في منتصف الليل لقد وجده ميتاً ورأى الدماء على قميصه فأخبر الشرطة.. والحارس كما تعرف.. لمن يأتي ليحلق له مجاناً؟ عاجله هاني بابتسامةٍ ماكرة:

- لقد ألقى عليك إذن تحية المساء ثم ذهب ليموت.. هذا سيدعو زبائنك للتفكير كثيراً قبل أن يسلّموا عليك..

ارتسمت معالم حزن سريعة على وجه الحلاق وظهرت لأول مرة معالم انسانٍ حكيم.. ثم قال:

- نعم هذا محزن.. كنت أتمنى أن أتمكن من وداعه، ولكنه كان مشغولاً بالأمس كما يبدو.. لو كان يعلم أنه سيموت بعد قليل لترك الانشغال في هذه الدنيا.

تأمل هاني وجه الرجل بتركيز شديد ثم قال برقّة:

- كنت أداعبك يا رجل.. وعلى العموم يبدو أنّ لديك استنتاجات ذكيةٍ فعلاً.

أمال الحلاق رأس هاني بلطف أكثر وقد أعجبه هذا الإطراء..

همس هاني: لقد سمعتُ أنا أنّ.. أنّ فتاةً ترتدي نظارات غريبة كانت قريبةً منه قبل ذلك بقليل..

توقف عبد السلام ويده متشبثة برأس هاني المائل: هل تقصد الدكتورة سمر! لا لست متأكداً.. لا يجوز أن أتكلم بما لا يليق.. إضافة لأني لم أرها منذ أيام. وهنا صمت الزبون المحقّق، واستغرق في التفكير.

 

*                  *                  *

 

قرع العم فهيم الباب ودخل ليجمع كؤوس الشاي، وانتزع بلطف من يد المحامي حازم ملعقة السكر.. فهي لا تستخدم للرسم على زجاج الطاولة.. وبين نظرة عتاب وابتسامة مرّت منشفته السرية الصغيرة والتي تظهر دائماً في الوقت المناسب لتمسح آثار الشاي القليلة..

ويبدو أنه دخل خلال لحظاتٍ من الصمت وعندما أغلق الباب خلفه قال حازم: وماذا لو كانت الصيدلية وكراً لتوزيع المخدرات؟

هاني: كل شيءً ممكن.. فمنذ أن عرفوا عن تلك الصيدلانية يقوم عملاء مكتب مكافحة المخدرات بالبحث عنها وعن مندوب بيع أدوية كان يتردد على الصيدلية كثيراً كما ذكر العامل ولم يجدوهما في أي مكان يعود لهما طوال اليوم.. وبالمناسبة ما نتائج تحرياتك عن السيد مروان؟ وما هو مصدر أمواله؟

- حقيقةً لا أعرف لماذا نتحرى عنه..

- تعودت أن أتحرى عن موكلي أكثر من غيره فينبغي أن تبدأ الخيوط من عنده.

- عم

المزيد


افتتاح ساخن..

تموز 1st, 2008 كتبها م.أحمد عزالدين شربك نشر في , قصص

كان يمشي خلف المبنى الكبير ويتأمل.. تلك هي نافذة المكتب.. تطل على مجمّعٍ سكني، ولكن لا بأس فهي في الطابق الخامس ويمكن له أن يشاهد مساحاتٍ كبيرة من المدينة.. وصل إلى المدخل وألقى بالتحية على حارس البناء ثم متّع نفسه بالإكساء المرفّه للمصعد.. وعندما اقترب من المكتب تأمل الاسم المحفور على الباب الزجاجي (مكتب المفتاح للتحريات الخاصة).. استدارت رقبته مع الاسم وهو يفتح الباب، وجاء صوت صديق عمره المحامي حازم:

- أخيراً وصلْت.. سيأتي المهنئون قبلك يا أستاذ هاني..

التفت مدرّس البحث الجنائي في كلية الشرطة وسأل: هل جاء أحد؟

- لا تتفائل كثيراً فما أهمية أن يفتتح مستجدان في القانون مكتباً للتحريات الخاصة! واسأل العم فهيم: منذ ساعة وأنا أتصل بالمدعوين لأذكّرهم بالافتتاح..

ظهر رأس عم فهيم اللامع من الأعلى والأمام.. حيّا هاني ووافق على كلام حازم.. وتابع تمرير عصا المسح على أرضية الممر الصغير..

كان المكتب مؤلفاً من غرفتين وصالة استقبال صغيرة.. وعلى يمين الصالة ممرٌ ضيق يؤدي للحمام والمطبخ.

- سيأتون.. لا تهتم..

- نعم.. والآن أخبرني لماذا تأخرت؟

- لقد صادفت المفتش جابر وأنت تعرف كم هو مصدرُ معلوماتٍ مهم.. وقد أخبرني كالعادة بكلّ القضايا التي عنده والتي سمع عنها في قسم الحوادث.

ضحك حازم وقال: إنّه طيب القلب.. وصديقٌ جيد.

- أجل وقد ذكر لي شيئاً غريباً..

أنصت حازم باهتمام بينما جلس هاني على أحد المقاعد الجلدية المخصصة لانتظار الزبائن، وقال بعد أن تأمل الغرفة من موقعه الجديد:

- أحضروا لهم رجلاً نائماً في حديقة السبكي وعليه آثار دماء.. وعندما سألوه عن السبب قال أنّه لا يعرف، وأنّ كلّ ما يتذكره هو قدومه مساء البارحة لشراء فطائر لعشاءه قرب الحديقة.. وبتحليل الدماء تبيّن أنّها منه شخصياً ولم يجدوا أيّ أثرٍ لجرح!

سأل حازم: - آثار إبرة؟

- بالتأكيد عرفت أنّ ذلك لن يفوتك.. ولكن لماذا؟ هذا هو السؤال..! وقد وجدوا في إحدى جيوبه مبلغاً مالياً ادّعى أنّه لا يملكه.

- لقد أخذوا من دمه ودفعوا له الثمن هذا واضح.. قالها العم فهيم الذي دخل فجأةً وهو يحمل صينيةً فضيّةً صغيرة عليها فنجانين من القهوة وكأساً من الماء.

وقف هاني والتقط فنجانه متوجهاً لباب غرفته وهناك التفت إليهما وقال:

- لا أعتقد أنّ الأمر بهذه البساطة.. فالدم متوفرٌ في أ

المزيد


نظراتٌ فاتنة..

حزيران 21st, 2008 كتبها م.أحمد عزالدين شربك نشر في , قصص, قصص قصيرة

ابتسم وتابع الرسم.. كانت طرفةً موفّقة من ابنه الصغير.. وصدح على الفور صوت زوجته:

- الحمد لله أننا رأينا هذه الابتسامة أخيراً.. أكلّمك يميناً وشمالاً وتبقى العقدة في وجهك، بينما بكلمتين منه يضحك سنّك..

- هل يعقل أن تغاري من ابنك..!

- ابني خالتي أيّ انسان.. متى ستفهمني؟

أوقف الفرشاة في يده.. كانت ترسم ظلاً خفيفاً لموجة، ونظر إلى زوجته بفراغ صبر:

- لا يفهم المرأة إلا المرأة، ونبقى نحن الرجال تماثيلَ للرشق بالطماطم والاتهامات.

تهيّأت بجسدها كلّه قبل أن تجيب لكنّ (ابنه الصغير) نادى أمومتها برقّةٍ وعتاب:

- ماما أرجوكِ..

- نعم معك حق لا فائدة.. تعال نترك له المرسم واللوحات التي يحبّها ربّما أكثر من سكان البيت.

تجمّد الزوج المنبهر دائماً بالألفاظ الشائكة التي تأتي بها زوجته والتي تنطلق بسرعةٍ وغزارة ولا تتيح له فرصةً للرد.. أو التفكير بالرد.

- إنها موهوبة.. (فكّر بصوتٍ مسموع): لا بد أنّها موهوبة.. يجب أن أشجعها على دخول الألعاب الأولمبية.. ويبدو أنني سأصبح رساماً مجنوناً.. فأنا الآن أتحدث مع نفسي.. وغداً سأتكلم مع الريشة و..

وقطع كلامَه صوتُ قرع الجرس في الأسفل.. تشاغل عنه وتابع تظليل الأمواج في لوحته التي شارفت على الانتهاء..  كانت أمواج البحر عالية والمرفأ الصغير صامدٌ لا يتأثر..

- لن تتغير أبداً.. منذ تزوجنا وهي شديدة الغيرة.. تريدني لها فقط وفي كلّ وقت.. ما ذنبي أنا إذا اتصلَتْ إحدى طالباتي..! أقسمت لها أنّني طلبت مراراً وتكراراً أن لا يتصل بي أحدٌ في البيت ولم أعط رقم هاتفي لأيّة طالبةٍ أو حتى طالب، قالت أنّها كانت (تتغنّج) على الهاتف.. وما ذنبي أنا..! وأنّه كان يجب أن أغلق السماعة بسرعة.. إنّها لا تتفهّم أننّي أستاذ هذه الفتاة ولست.. ولكن ماذا أقول طار صوابها طبعاً ولمّا قرّرَتْ أن تسمع وتفهم.. كنتُ قد استنفذتُ كلّ طاقة الصبر عندي، وماذا فعلْت..! لقد ظهر الاستياء على وجهي فقط.. أليس هذا من حقي..! إنّها لا تقيم وزناً لكيان الزوج.. الشريك.. تتكلم بعصبية

المزيد


مشكلة صغيرة.. كالحياة.

أيار 4th, 2008 كتبها م.أحمد عزالدين شربك نشر في , قصص, قصص قصيرة

نادته أخته من بعيد: تعال يا سعيد، أمك تريدك..

ترك غرفته وأقبل متوتراً بعض الشيء.. كان يشعر دائماً أنها تعرف ما يدور بباله.. مرّ بأخته وابنها فسألها:

- إلى أين أنت ذاهبة؟ وقبل أن تجيب جاءه صوت أمه من غرفة الجلوس:

- (الله يرضى عليك) اذهب مع أختك للطبيب حتى يرى عمر.. فحرارته مرتفعة منذ البارحة.

جثا على الأرض أمام ابن أخته ووضع يده على جبينه:

- خيراً.. يبدو أنك (تتدلّع).. وضحك في وجهه وداعبه فابتسم الصغير بوجهه المحمّر وشفتيه المتكورتين من شدة الحرارة.

وبسرعة ارتدى ملابسه وغادر معهما، فيما جلست أمّه تدعو لحفيدها الغالي بالشفاء ولابنها الوحيد بالرضا والتوفيق والسعادة.. وكلّ ألوان الهناء في الدنيا والآخرة.

كان يدخل السرور إلى قلبها كلما أطلّ من الباب.. وعندما يداعبها تضحك مثل الأطفال.. وهي التي فارقت شفاهها الضحكة منذ أكثر من سنة.. منذ وفاة زوجها رفيق العمر.

وفي مساء نفس اليوم كانوا يجلسون حول مائدة العشاء وكان يحكي لها ولشقيقتيه ويتندر على تصرفات عمر الظريفة عند الطبيب.. وكيف كان ابن الأربعة أعوام يحاول أن يتصرف مثل الكبار رغم مرضه العارض.

ثم مرّت لحظات صمتٍ على المائدة، وحاول أن يتحدث بأي شيء ولم يفلح..

سألته أمه فجأة: سعيد.. ماذا بك؟

حاول أن يكون مستغرباً بابتسامةٍ عريضة: ماذا بي يا أمي؟.. لا شيء .. وبدأت الابتسامة تختفي قليلاً قليلاً.. ثم صمت..

كان يعلم أنها ستعرف كلّ شيء.. فعاد بظهره للخلف:

- أصبح من الممكن أن أسافر..

ابتلعت ريقها بهدوء ورسمت ابتسامةً صغيرة على وجهها:

- إلى أين؟… من؟

- إنّها نفس الشركة الهندسية التي أخبرتك عنها.  (ابتلع ريقه هو الآخر..)

- لقد اطّلعوا عن طريق مكتب الإشراف الذي يتعامل معي هنا على الدراسات التي نفذتها للأبراج السكنية مؤخراً…

تابع دون أن يرفع نظره عن الأطباق:

المزيد


التالي



Blog counters