كثيرٌ من الحب

تشرين الأول 6th, 2009 كتبها م.أحمد عزالدين شربك نشر في , قصص, قصص قصيرة

 تماثلت سمر للشفاء.. لم يعتقد أحد أن تكون هذه الفتاة النحيلة بتلك القوة.. كانت في العشرين من عمرها وقد قضت أياماً عديدةً منها على فراش المرض.

جاءت إلى الدنيا بداء اليرقان وعانت منه طويلاً في شهورها الأولى،  ثم أصيبت بالتهاب تنفسيّ بعد سلسلةٍ من الحمّى والأنفلونزا قبل أن تتم الثالثة من عمرها، ووصل الحال في أحد الأيام لأن يقول طبيب العائلة محمد لوالدها بأنها قد لا تنجو.

كان جسمها ضعيفاً جداً ولكنّ نظرة عينيها كانت عميقةً ومركّزة، وهو ما أضفى عليها سحراً خاصاً عرفه كلّ من عاشوا بقربها..

وكانت في سنين دراستها الابتدائية مثار جدل المعلمات كيف تنجح كلّ عام رغم غيابها المتكرر عن المدرسة، وخلاصة القول أنّها كانت تمتلك ذهناً متوقداً في جسدٍ منهك.

وبعد ذلك وفي عامها الخامس عشر عانت من التهابٍ في الرئة مع حمّى شديدة، وكانت بالكاد تصحو لتعود للنوم ساعات طويلة بينما تضع أمها قطع القماش المبلّلة على جبينها وقلبها ينفطر خوفاً من احتمال أن تفقدها، كانت عزيزةً وغالية.. الابنة الوحيدة والأخت الكبرى لأخوتها الثلاثة، ولكنّها نجت وخرجت من المشفى بتعليماتٍ مشدّدة من الأطباء وإبقاءٍ في المنزل.. وقد حرمها ذلك المرض الطويل من الذهاب لمدرستها الثانوية لأكثر من شهرين، ورغم ذلك وكالمعتاد فقد فاجأت الجميع ونجحت سمر في صفها..

كان والدها أبو ضياء كبيرَ المحاسبين في شركةٍ خاصة، وقد ساعدها في الرياضيات واللغة الأجنبية ولكنّ الدور الأكبر كان لوالدتها إلهام التي أعادت معها بإصرار كلّ درسٍ وواجب. ولم يكن ذلك لأنّها معلمةً سابقةً فقط بل لإيمانها بأنّ ابنتها لا ينبغي أن تتأخر عن باقي أقرانها مهما كانت الظروف.

*            *            *

وفي هذا الصيف أحسّت سمر بالمرض وقد بدأ بصداعٍ شديد رافقها من المصيف الذي ذهبت العائلة إليه، وبعد أيامٍ من عودتهم إلى الديار قال الأطباء بمرارة أنّها مصابةٌ بالأنفلونزا سيئة الذكر والتي بدأت تجتاح العالم.

قالت أمّها بعيونٍ دامعة: من بيننا جميعاً هي من حملت المرض، ليتنا لم نسافر..

أمسك زوجها بيدها وقال محاولاً منحها بعض الثقة: إنّها إرادة الله، تمسّكي بالأمل.. ليس لنا إلا الدعاء بأن تستجيب ل

المزيد


غسيل الدموع..

أيار 19th, 2009 كتبها م.أحمد عزالدين شربك نشر في , قصص, قصص قصيرة

تلمّس طريقَه بين دروبٍ وعرة تكاد تضيق عن مساحة القدمين، أنصت لصوت الموج البعيد.. ذلك الصديق.

كان يصعد ويصعد حتى امتد السهل أمامه وبعده ذلك اللون الأزرق الحالم.. لون البحر والسماء.

نظرة واحدة وطويلة ألقاها خلفه على المدينة.. أكوامٌ من الحجارة والطين والحديد تدخل في كلّ شيء.. البيوت والناس والطريق، كلّها من حجارةٍ وطينٍ وحديد..

ترك خلفه فيها زوجةً دائمة الحزن.. وأمّاً تسأل الله أن يفرّج عن ولدها ليلَ نهار.. ولدها الأصغر الذي تزوج منذ عشر سنين ولم يشأ له الله أن ينجب الأطفال.

كان قد ترك سيارته الجديدة في أسفل الطريق.. عندما امتلكها ظنّ أنّ السعادة ستغلب الحزن، وبعد ساعاتٍ قليلة عاد لما كان يردده دائماً بأنّ الحزن أعمقُ شيءٍ في الحياة.

بدأ بالنزول نحو الشاطئ وأفكاره تصرخ.. ولدٌ واحدٌ يا رب.. منذ سنينٍ وهو يسمع أصوات الأطفال في كلّ مكان، وفي بيته الواسع الفارغ كان في كلّ غرفةٍ همسٌ عجيب رغم كلّ السكون.. يلتفت حوله مثل المجانين ويبحث عن الطفل الذي ينادي.. بابا.

ترك الحدائق العامة وصارت زياراته قصيرة لكلّ من يعرف.. من الأطفال، وعندما يأتي ابن أخته المدلّل كان يترك للهاتف أو لأيّ شيءٍ أن يشغله عنه، ولكنّه اليوم أصرّ أن يجلس في حضنه.. حاول التملّص بضحكةٍ ومداعبة، ولكنّه تسلّق مع ابتسامة

المزيد


بين دموعها وابتسامة..

نيسان 7th, 2009 كتبها م.أحمد عزالدين شربك نشر في , خواطر, قصص قصيرة

تثاءبت القطة البنيّة باسترخاء ومنحت نظرةً لا مبالية لعصفورٍ يقفز أمامها على الغصن الآخر للشجرة، وحتى عندما مرّت بجوارها صاحبة الدار لم تخش شيئاً ولم تحرّك ساكناً.. فقد كانت سيدةً طيبة القلب، وللحق.. فكّرت القطة.. كلّ أهل البيت هنا طيبون. فالابنة ماجدة المعلّمة لطيفةٌ معها لأبعد الحدود، وهي من تأتيها بالطعام في كلّ يوم.

وسامر طالب الحقوق يجلس ويحدّثها في الليل عندما ينام الجميع ويكون وحيداً بين كتب القانون.. يجلس مستنداً إلى إطار نافذة غرفته المفتوحة ويخاطب هذه القطة الجميلة العرجاء بينما تقبع هي على الأريكة في الخارج.. تنظر إليه وكأنّها تفهم ما يسرد لها من همومٍ وأحداث..

وأمّا سائق التاكسي ربّ الأسرة فيغريها كثيراً لتأتي إليه وهو يشرب العرقسوس أو اليانسون في باحة البيت.. كان الوحيد من البشر الذي تسمح ليده بالاقتراب منها.. يعبث بعنقها ورأسها مستسلمةً بجوار كرسيّه القديم، فقد تعلمت أن لا تخاف هذه اليد منذ ذلك المساء.

ذلك المساء الحزين.. حين عبرت مع صغيرتها الزقاق الخالي من المارة والسيارات، وقد تشاغلت الطفلة بشيءٍ على الطريق ففاجأتها سيارةٌ مسرعة جمّدتها في مكانها.. عادت الأم لتنقذها فداست عجلة السيارة فوق قدمها بعد أن رمت ابنتها بعيداً لتفارق الحياة..

ركضت نحوها متحاملة على ألمها وصارت تشمّها وتصرخ، وتنظر بلوعةٍ لا توصف إلى السيارة المب

المزيد


ليلة متأخرة..

آذار 3rd, 2009 كتبها م.أحمد عزالدين شربك نشر في , غرفة الضيوف, قصص قصيرة

بعد واحدٍ وعشرين سنة من زواجي, وجدت بريقاً جديداً من الحب وخرجت مع امرأة غير زوجتي.. كانت بالأصل فكرة زوجتي نفسها حيث بادرتني بالقول: أعلم جيداً كم تحبها..

تلك المرأة التي أرادت زوجتي أن أقضي وقتاً معها كانت أمي التي ترملت منذ 19 سنة, ولكنّ مشاغل العمل والأولاد جعلتني لا أزورها إلا نادراً.

اتصلت بها في تلك الليلة فسألتني: "هل أنت بخير؟" فلم تكن معتادة على مكالمات متأخرة نوعاً ما. قلت لها: "أنا بخير يا أمي.. أريد فقط أن أقضي بعض الوقت معك ودعوتها للخروج وحدنا العشاء.. فكرت قليلاً ثم قالت: "أحب ذلك كثيراً".

في يوم الخميس وبعد العمل, اصطحبتها من البيت.. كنت مضطربا قليلاً, وعندما وصلت وجدتها هي أيضاً قلقة.

كانت تنتظر عند الباب مرتدية ملابس جميلة ولكنها قديمة، ويبدو أنه آخر فستان قد اشتراه لها أبي قبل وفاته.

ذهبنا إلى مطعم صغير هادئ وتمسكت أمي بذراعي كأنّها السيدة الأولى.. تحدثنا كثيراً عن قصص قديمة وقصص جديدة ونسينا الوقت إلى ما بعد منتصف الليل، وعندما وصل

المزيد


بعد سنةٍ وشهر.. وقصة

تشرين الثاني 5th, 2008 كتبها م.أحمد عزالدين شربك نشر في , خواطر, قصص, قصص قصيرة

لم أصدّق أن ألوان قد تجاوزت عاماً كاملاً..

في ذلك اليوم لا أعرف ماذا دفعني للكتابة من خلالها.. كنت قد تعوّدت منذ زمن أن لا أكتب إلا عندما يطلب مني الآخرون ذلك في دوامة العمل..

أعادتني ألوان لسنوات الدراسة عندما كنت أكتب لنفسي فأرسم بين السطور ملامحَ أعرفها وأشكالاً لم أكتشفها بعد.. لحياةٍ ملونة فيها الكثير من الدفء والأمل والحلم..

وفيما بعد.. وعندما كانت تصادفني تلك الأوراق كنت أحييها بإبتسامة.. وأمضي.

منذ سنةٍ وشهر خطر على البال سؤالٌ تائه.. إلى متى؟ فكان الجواب ضحكةً فاتنة ونسائمَ حلوة لوّنت كلّ ما حولي.. ورَمَت من كلّ لون قلماً قد اشتاق للنجوى.. واشتقت أنا لها أكثر..

ألوان.. أتمنى أن لا تكوني مجرد ذكرى في يومٍ قادم.. أرجو أن تبقي نافذةً حلوة على حدائقَ وارفة لأحبةٍ وإخوةٍ وأصدقاء.. عندما تكون كتابتي فقط.. من أجل الكتابة.. ومن قبل ومن بعد.. لإرضاء الله.

 

ولاحتفائي اليوم بألوان فقد اخترت من أوائل ما كتبت ونشرت فيها نصاً صغيراً مدللاً لديّ .. أرجو معه أن نتمنى عودة كلّ ما فقدناه من قيمٍ جميلة أو أشخاصٍ يحملونها.. حتى ولو كانت مجرد أمنيات..

إليكم.. أعيد إدراج.. ليتكَ تعود..

 

في هذه الليلة الدافئة.. جلست أحتسي كوباً من الشاي في غرفتي المطلة على البحر.

كان الباب مفتوحاً قليلاً، وكنت أسمع صوت الموج.. عميقاً متردداً يضرب بقوة ويستكين أمام عناد المرفأ الصغير..

بالأمس القريب كنت أركض خائفاً لأصل إلى الدرج الخشبي المؤدي إلى البيت.. وعندما أصعد أخشى أن يكون تحت الدرج

المزيد


قوامها النحيل..

أيلول 19th, 2008 كتبها م.أحمد عزالدين شربك نشر في , قصص, قصص قصيرة

دخل غرفته بعد إفطارٍ سريع، تناول فيه بعض الحساء وقليلاً من العصير.. جلس على فراشه، ووضع فنجان القهوة أمامه على الطاولة الخشبية الصغيرة، وابتسم.

مال بجسده ودسّ يده تحت الفراش.. ثم أخرج لفافةً من العلبة وأشعلها برفق.. ونفث في الهواء خيوطاً من الدخان الأبيض السميك.

نظر إليها من بين أصابعه بشغف.. تأمل قوامها النحيل.. الجزء الأسفل يخبئُ قطناً طريّاً، تمرّ عبره نسائمُ التبغ التي طالما دخلت في جوفهِ ساخنةً مثيرة.. وفوقه جسدٌ أبيضٌ ملتف، وفي نهايته جمرةٌ ملتهبة يتطاير منها خيطٌ متراقصٌ كالحلم.

دفعها بين شفتيه برقّة.. وامتصّ من أعماقه جرعةً كبيرةً من الدخان، ثم حبس نَفَسَه ليشعر بكلّ ذرّةٍ تدخل إلى صدرِه وتمنحه النشوة التي تعودّها عند أوّل لفافةٍ بعد الصيام.. يهتز رأسه في غيبوبةٍ مؤلمة، وخَدَرٍ غريب.

وخلال ب

المزيد


خيبة أمل..

أغسطس 22nd, 2008 كتبها م.أحمد عزالدين شربك نشر في , قصص, قصص قصيرة

الآن فقط علمتُ أين يضع المال.. هناك تحت قطعة القماش المزركشة والتي تنام عليها دميته المفضّلة..

نظرت إليه بابتسامة فقال هو ويديه: أملك سبعييين ليرة.. وقالت عيناه مليون ليرة..

قلت: كانوا أكثر!.. أجابني بفراغ صبرٍ ليذكرّني بما أنساه متعمّداً لأثير تعابير الدهشة المحبّبة لديه.. وأحياناً لأتلقّى بعض الكلمات اللاذعة:

- بالأمس اشتريتُ سيارة الإطفاء والكرة المخطّطة الكبيرة، ودفعتُ…

توقف عن الكلام ونظر ليديه اللتين تحولتا فجأة إلى ألةٍ حاسبة، ودارت مع حركات الأصابع الصغيرة جميع حواسي لأستزيد من هذه البراءة التي لا يمكن وصفها..

كنت أتمنى أحياناً أن لا يمرّ الوقت مع كلماته وحركاته وتتابع الحزن والفرح والدهشة في عيونه.. ولكنّ رنين هاتفي الجوّال في الغرفة الثانية أوقف كلّ شيء لتل

المزيد


نظراتٌ فاتنة..

حزيران 21st, 2008 كتبها م.أحمد عزالدين شربك نشر في , قصص, قصص قصيرة

ابتسم وتابع الرسم.. كانت طرفةً موفّقة من ابنه الصغير.. وصدح على الفور صوت زوجته:

- الحمد لله أننا رأينا هذه الابتسامة أخيراً.. أكلّمك يميناً وشمالاً وتبقى العقدة في وجهك، بينما بكلمتين منه يضحك سنّك..

- هل يعقل أن تغاري من ابنك..!

- ابني خالتي أيّ انسان.. متى ستفهمني؟

أوقف الفرشاة في يده.. كانت ترسم ظلاً خفيفاً لموجة، ونظر إلى زوجته بفراغ صبر:

- لا يفهم المرأة إلا المرأة، ونبقى نحن الرجال تماثيلَ للرشق بالطماطم والاتهامات.

تهيّأت بجسدها كلّه قبل أن تجيب لكنّ (ابنه الصغير) نادى أمومتها برقّةٍ وعتاب:

- ماما أرجوكِ..

- نعم معك حق لا فائدة.. تعال نترك له المرسم واللوحات التي يحبّها ربّما أكثر من سكان البيت.

تجمّد الزوج المنبهر دائماً بالألفاظ الشائكة التي تأتي بها زوجته والتي تنطلق بسرعةٍ وغزارة ولا تتيح له فرصةً للرد.. أو التفكير بالرد.

- إنها موهوبة.. (فكّر بصوتٍ مسموع): لا بد أنّها موهوبة.. يجب أن أشجعها على دخول الألعاب الأولمبية.. ويبدو أنني سأصبح رساماً مجنوناً.. فأنا الآن أتحدث مع نفسي.. وغداً سأتكلم مع الريشة و..

وقطع كلامَه صوتُ قرع الجرس في الأسفل.. تشاغل عنه وتابع تظليل الأمواج في لوحته التي شارفت على الانتهاء..  كانت أمواج البحر عالية والمرفأ الصغير صامدٌ لا يتأثر..

- لن تتغير أبداً.. منذ تزوجنا وهي شديدة الغيرة.. تريدني لها فقط وفي كلّ وقت.. ما ذنبي أنا إذا اتصلَتْ إحدى طالباتي..! أقسمت لها أنّني طلبت مراراً وتكراراً أن لا يتصل بي أحدٌ في البيت ولم أعط رقم هاتفي لأيّة طالبةٍ أو حتى طالب، قالت أنّها كانت (تتغنّج) على الهاتف.. وما ذنبي أنا..! وأنّه كان يجب أن أغلق السماعة بسرعة.. إنّها لا تتفهّم أننّي أستاذ هذه الفتاة ولست.. ولكن ماذا أقول طار صوابها طبعاً ولمّا قرّرَتْ أن تسمع وتفهم.. كنتُ قد استنفذتُ كلّ طاقة الصبر عندي، وماذا فعلْت..! لقد ظهر الاستياء على وجهي فقط.. أليس هذا من حقي..! إنّها لا تقيم وزناً لكيان الزوج.. الشريك.. تتكلم بعصبية

المزيد


مشكلة صغيرة.. كالحياة.

أيار 4th, 2008 كتبها م.أحمد عزالدين شربك نشر في , قصص, قصص قصيرة

نادته أخته من بعيد: تعال يا سعيد، أمك تريدك..

ترك غرفته وأقبل متوتراً بعض الشيء.. كان يشعر دائماً أنها تعرف ما يدور بباله.. مرّ بأخته وابنها فسألها:

- إلى أين أنت ذاهبة؟ وقبل أن تجيب جاءه صوت أمه من غرفة الجلوس:

- (الله يرضى عليك) اذهب مع أختك للطبيب حتى يرى عمر.. فحرارته مرتفعة منذ البارحة.

جثا على الأرض أمام ابن أخته ووضع يده على جبينه:

- خيراً.. يبدو أنك (تتدلّع).. وضحك في وجهه وداعبه فابتسم الصغير بوجهه المحمّر وشفتيه المتكورتين من شدة الحرارة.

وبسرعة ارتدى ملابسه وغادر معهما، فيما جلست أمّه تدعو لحفيدها الغالي بالشفاء ولابنها الوحيد بالرضا والتوفيق والسعادة.. وكلّ ألوان الهناء في الدنيا والآخرة.

كان يدخل السرور إلى قلبها كلما أطلّ من الباب.. وعندما يداعبها تضحك مثل الأطفال.. وهي التي فارقت شفاهها الضحكة منذ أكثر من سنة.. منذ وفاة زوجها رفيق العمر.

وفي مساء نفس اليوم كانوا يجلسون حول مائدة العشاء وكان يحكي لها ولشقيقتيه ويتندر على تصرفات عمر الظريفة عند الطبيب.. وكيف كان ابن الأربعة أعوام يحاول أن يتصرف مثل الكبار رغم مرضه العارض.

ثم مرّت لحظات صمتٍ على المائدة، وحاول أن يتحدث بأي شيء ولم يفلح..

سألته أمه فجأة: سعيد.. ماذا بك؟

حاول أن يكون مستغرباً بابتسامةٍ عريضة: ماذا بي يا أمي؟.. لا شيء .. وبدأت الابتسامة تختفي قليلاً قليلاً.. ثم صمت..

كان يعلم أنها ستعرف كلّ شيء.. فعاد بظهره للخلف:

- أصبح من الممكن أن أسافر..

ابتلعت ريقها بهدوء ورسمت ابتسامةً صغيرة على وجهها:

- إلى أين؟… من؟

- إنّها نفس الشركة الهندسية التي أخبرتك عنها.  (ابتلع ريقه هو الآخر..)

- لقد اطّلعوا عن طريق مكتب الإشراف الذي يتعامل معي هنا على الدراسات التي نفذتها للأبراج السكنية مؤخراً…

تابع دون أن يرفع نظره عن الأطباق:

المزيد


باب بيتها الدافئ..

نيسان 1st, 2008 كتبها م.أحمد عزالدين شربك نشر في , قصص, قصص قصيرة

لن تكوني في طريقي بعد اليوم..

تلفتّ حوله وسار..

مرّت قدماه كثيراً في هذا الشارع ولطالما أحسّ بالشوق الجارف..

عندما رآها لأولّ مرّة كانت تقترب من ذلك البيت الذي أصبح مقر أحلامه.. فشعر بالذهول. نظرَتْ بالخطأ قبل أن تدخل من الباب لأنّها أحسّت بنظراته.. ورأته.. ولم يعرف حينها إن كانت قد رمقته بغضبٍ أم ابتسمت.. لكنّ وجهها لم يغادر خياله بعد ذلك..

لم يكن يعرف الأرق وكانت أمه تقول: عادل ينام سريعاً مثل الأطفال.. ولكنّها وبعد أيام من لقاءه بالفتاة أحسّت بالقلق عندما رأته قبل صلاة الفجر بقليل وعرفَتْ أنّه لم ينم بعد..

.. وتغيّرت حياة عادل.

تعوّد أن يزور الشارع وأن يمرّر عينيه على الباب.. بابٌ أصبح قريباً من القلب.. فكم على صفحته مرّ وجهها.. وكم دفّأت حديدَه البارد كفُّها الصغير..

يريد أن يعلنَ للعالم كلّه أنّه يحبّها.. أنّها ملكت حتى أطراف مدائنه، واستولت على عاصمة حكمه، وأذلّت كلّ جيوشه.. وانتصرت عليه.. ولم يكن يعلم في ذلك الوقت أنّه سيخسر..

رأته مرتين بعد ذلك وكان يتحاشاها ويمعن في الرصيف.. فهو يخاف عليها من نفسه، ويغار وكأنّها عنده. ولكنّها لم تسبّب له الألم.. فهي لا تنظر إذا مرّت لأحد، وتمشي بحرص، وتتكلم مع الجار البائع بأدب..

شهورٌ طويلةٌ ينتظر كي تنتهي الدراسة ويبدأ عامه الأول في المحاماة.. وشهورٌ طويلة يرى الباب الأثير على قلبه ويرعاه.. وفي مراتٍ قليلة يصادف أن يراها تخرج من البيت إلى الشارع.. لتفرشَ على الرصيف وروداً بيضاء، وترمي بوجهه آلافَ الأميال من الدهشة.. هي نفسها الدهشة الأولى.. وتنير الطريق إلى عالمٍ آخر لا يعرفه سواه.

كم تختلف الحياة حين نعيشها بعيون الأحباب.. قال لنفسه.. كم أحبّك يا أمل، وكم أرجو من الله أن تكوني نور بيت

المزيد


التالي



Blog counters