القش الملوّن (2)

كتبهام.أحمد عزالدين شربك ، في 21 تشرين الأول 2007 الساعة: 13:54 م

أنهى الطبيب العجوز ضماد الجرح العميق في جنب "شامل" سيد عصافير الجبل المطلّ على الغابة الخضراء. وبعنايةٍ فائقة ربط العقدة الأخيرة بمنقاره المدرّب بإحكام.. أغمض شامل عينيه من الألم بدون أن يصدر عنه أيّ صوت.

وما أن التفت العجوز بعيداً عنه حتى همس له فرحان الخادم المطيع: هل ستعطيه دواءاً منوّماً لنرتاح .. (وأكمل بارتباكٍ واضح): لـ ..  ليرتاح؟

صرخ شامل متوعداً: ويلك لن أنام.. وليس الآن .. إنّها فرصة العمر. لن يستطيع غيري إحضار ما طلبته الأميرة، وقد حان الوقت لأن أحقّق حلم أبي.. والتقط أنفاسه المتسارعة ليقول بهدوءٍ صارم: ملك الغابة الخضراء.. ثم بصوتٍ بدأ يرتفع تدريجياً: أنا ملك الغابة الخضرااا آه ه وأسكته الألم الشديد في جنبه ..

قال العجوز مؤنباً: إنه ليس منوّماً.. سيعجّل في شفاء جرحك. إنّك عنيدٌ مثل أبيك.. لا أعرف إن كنت تأكل الحبوب أم تأكل الصخر. لقد عانيتُ أنا وأمك كثيراً من تصرفات أبيك، لقد قتلها عناده وتهوّره.. فلا تمشِ في نفس الطريق.

شامل: لا لقد قتلها الملك. وسأقتله يوماً.. ولكن بعد أن أتزوج ابنته.

العجوز: ألا تفهم..! لم يكن الملك..

شامل: من كان إذاً.. من؟ لماذا تخفي عنّي ما جرى في العشّ الملكي في تلك الليلة.. لقد حملوها مضرّجةً بالدماء بجانب أبي المقتول.. سهرت معها طوال الليل أبكي حتى ماتت في الفجر.. ومن يومها قررت أن أنتقم.

أغمض العجوز عينيه ليمنع دمعةً أوشكت على الظهور، ومشى ببطء ثم غادر العش الكبير المبنيّ في قلب الجبل.

شامل: سأقتله.. نعم سأقتله، كما قتلت اليوم سارق الحبوب القذر.

قال فرحان بدون تفكيرٍ كعادته: ولكنّه جرحك جرحاً كبيراً جداً. زمجر شامل وكاد أن يفتك به لولا أنّه تراجع مسرعاً للخلف يحمي رأسه بجناحيه ويردد: لا لا لم أقصد.. لقد قتلتَ السارق بسرعة.. أنت أقوى العصافير.. أرجوك..(واستدرك قائلاً): يا إلهي إنّ جرحك ينزف سأذهب وأستدعي جدك الطبيب.

شامل (بغضب): لا.. سيشفى سريعاً، لست بحاجةٍ لأحد.. اغرب الآن عن وجهي.. اذهب. وضغط جنبه المضمّد إلى نتوءٍ في الجدار الحجري فارتاح قليلاً، وهمس وكأنّه يُسمِعُ نفسه: .. ولا أريد أن أكون أقوى العصافير، أريد فقط.. ولم يتابع، ثمّ قطّب حاجبيه واستدار: سننتظر قليلاً، ثمّ يأتي دورك يا أميرتي الصغيرة..

وفي مكانٍ آخر وفي أحد بيوت الغابة الخضراء كانت رائحة الياسمين البري تفوح في العش من كلّ الجهات.. استنشقت العصفورة الأم الرائحة الحلوة باسترخاءٍ وسعادة، فقد أنهت عملها في البيت وكلّ شيء مرتّبٌ في مكانه، والنظافة تزيّن المكان.. وفكرت في نفسها كم كان لطيفاً من الملك أن يسمح لها ولابنها بالعيش على هذه الشجرة الرائعة بالقرب من أشجار القصر..

ولكنها استدركت لتذكّر نفسها بالنجاح الكبير لعمل ابنها زاهر وشهرته التي عمّت كلّ الغابة.. فهو أمهر البنائين ويستطيع اصلاح كل شيء.. وفوق هذا فهو وسيمٌ شجاع تحبه كلّ العصافير و.. ولم تقطع على قلب الأم الطيبة متابعة التفكير الممتع بولدها إلا صوت صديقة عمرها تزقزق بسعادةٍ وتعلن عن قدومها.

أهلاً أهلاً بأمّ سالم.. مرحباً بك. تعالي. اقتربت أمّ سالم سعيدةً بالرائحة الحلوة وألقت السلام.. وبعد عبارات الترحيب المتبادلة قالت لها: ألم يتأخر ولدك هذه المرة؟ إنّ سكان شجرة السنديان الغربية بدأوا بالتذمر فقد طال انتظارهم لبناء الأعشاش الجديدة..

ضحكت أم زاهر وقالت: اسألي نفسك لا بد أن ابنك سالم هو السبب في تأخيره فهو الذي يغريه دائماً بالتجول بعيداً عن السوق أو الحقول..

نعم صدقتِ (ردت عليها جارتها) فهو ابني وأنا أعرفه جيداً لا يكاد يستقر في مكان، تشعرين أنّه طائرة نفّاثة لا تهدأ.. وخاصةً عندما يكون سعيداً بصحبة صديقه وخليله زاهر..

وتابعت: أين هما الآن يا تُرى..؟ وتنهّدت بقدر اشتياقها لولدها الذي كان يطير مع صديقه عائدين بسلام، ولا يعرفان ماذا تخبأ لهما الأيام من أحداث..    / القش الملوّن /  (يتبع)

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : حلقات قصة / القش الملوّن, قصص | السمات:,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “القش الملوّن (2)”

  1. ابنتي الصغيرة تهديك سلامها و تنتظر ماستخطه أناملك الذهبية.

  2. وأنا أهدي ابنتك الصغيرة كل تقديرٍ وشكر، وتمنياتٍ بحياةٍ طيبة أخي أو أختي الكريمة..



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول



Blog counters