مذكرات ذكي جداً (3)
كتبهام.أحمد عزالدين شربك ، في 10 تشرين الأول 2007 الساعة: 17:49 م
لم أتوقع أبداً هذه اللحظات الصعبة.. هل من الضروري أن أستنفذ كلّ الفرص في الحياة!.. دعوةٌ لإفطارٍ مجانيّ في فندق التسعة نجوم هذا.. شيءٌ مربك..!
فالمكان جميلٌ.. وفخم، ولكنّه متعدد الانحناءات والاتجاهات.. وضخم، وكيفما نظرت ترى الكثير من الناس من العاملين ورؤساء العاملين ورؤسائهم وكلٌّ له لونٌ وشكلٌ وهندام، ومن الزبائن الذين يتحركون مسرعين واثقين وكأنهم يحفظون المكان.. أما أنا فكنت أدوس على الأقدام وأتحاشى الأكتاف وأبحث عن أماكن الصحون والملاعق والطعام.. وكم تعبت حتى عرفت من أين يحضرون الحساء، وما أن وصلت به إلى الطاولة (سالماً) حتى تشبثت بالكرسي ولم أجرؤ على القيام مرةً أخرى، وقلت لنفسي ربما يهدأ الناس قليلاً بعد بدء الإفطار..
والمربك أكثر أنّ مضيفي الظريف والذي حصل على الدعوتين المجانيتين (واشتهاني معه) حاضرٌ غائب، فمنذ أن وصلنا وهو كالقطار يذهب فارغاً ويعود (مزدحماً). وبينما كان أمامي طبقٌ من الحساء وماء، كانت الطاولة مائلةً أو تكاد لجهته العامرة بالأطباق.
ولم أشعر إلا وقد صدح صوت الأذان ولم يأت القطار (صديقي) بعد.. دعوت ربّي بالسلامة وأفطرت بالماء.. وما أن هممت بغمس ملعقتي في طبق الحساء حتى هاج وماج، فقد وصلت سفينة صاحبي واهتزت الطاولة كأنّها جان.. ولم نهدأ جميعاً حتى استقرّ في كرسيّه لاهثاً وخطف كأس الماء الذي رفعته باتجاهه.. وبدأ بالانتقام بلا رحمة من العطش الذي أنهكه طول النهار.
(الحمد لله) قالها وعينه تعاين خصومه في الأطباق أيّهم أولاً سيبدأ معه العراك؟ ومن حولنا كانت المعركة قد بدأت، فالحَكَم أعلن بداية المباراة والتحم الفريقان (الشوك والسكاكين)، وبالطبع فإنّ قلب الهجوم ونجم النجوم كان على طاولتنا يسجّل الأهداف تلو الأهداف.
تناسيت صاحبي وبدأت بالحساء وكانت أول المفاجأت لي أنّه..( امّم..) أطيب طعماً مما توقعت.. فقد كنت قبلت الدعوة رغبةً في التجديد ولأرى لمرّة.. مطاعم الفنادق عالية المقام، ولكنّي حسبت أنّ الطعام لن يشبه في حالٍ من الأحوال طبخ البيوت، وأنّ هذه الأماكن تتبارى بتقديم الغريب من الوصفات والنكهات ممّا قد لا يستسيغه هواة ذلك الطبخ مثلي.. فتشجّعت بعد الحساء واتجهت للموائد العامرة بما لذّ وطاب، وأخذت من أصناف الخضرة الكثيرة جداً ما أحبّ وأشتهي، ووضعت معها قطعاً صغيرة من لحومٍ متنوعةٍ ساخنة وبعض الأرز.
عدت إلى طاولة صاحبنا (أقصد طاولتنا) واحترت أين أضع الطبق فجيوش السيد الفاضل.. الأكول الماهر تملأ الشوارع والساحات وحتى الأزقة والحارات.. ولم ينقذني إلا أحد العاملين الذين تراهم كالسهام يلتقطون ما انتهى أو كاد من الأطباق، فالتقط طبق حساءي الفارغ من على الطاولة، وانتزع من بين براثن صاحبي طبقين.
ضحك صديقي وقال وهو ينظر بشفقةٍ واضحة: إنّك تأكل مثل الخروف ما كلّ هذه الحشائش؟ وأين اللحم.. اللحم (قالها بصوتٍ فخم..). دافعت عن ما اخترت بكل ما أوتيت من قوة: هذه؟! إنها أطيب أطايب الطعام.. النعنع الأخضر والفجل الأحمر.. أوراق الخسّ والطماطم والجرجير وغيرها كثير، سبحان الله.. وهل تطيب اللحوم وكلّ المأكولات إلا بوجودها لتزّين بالشكل والطعم والرائحة الطعام.. والمكان..
تركني أتغزّل بالسلطة والخضار وانهال ضرباً وتمزيقاً على اللحوم أمامه بالشوكة والسكين وكلّ ما أعطاه الله إياه من أسنان. وماهو إلا قليل من الوقت حتّى سكت.. وبدا كأنّه لا يتنفّس.. نظرت إليه مستغربا خائفاً بعض الشيء، فتنهّد وقال بحزم: الآن علينا بالحلوى.. وقبل أن ينتظرمني أيّ جواب كانت الدنيا قد غابت عنّي بسبب (كرشه) الضخم للمرة الثالثة أو السابعة هذا المساء، فالمسكين مضطرٌ أن يمرّ عبري إلى ميادين الطعام..
أنهيت طبقي ولحقت بصاحبي وبعد أن اخترت من الحلوى نوعين وعدت، التقيته عند الطاولة.. فقد وصلنا في نفس الوقت. وما أن نظرت حتى شعرت بالاستياء.. فلو علمت لوفرت على نفسي القيام، ومزاحمة الناس على طاولات الحلوى، والإياب.. فصديقي الهُمام أحضر معه كلّ الأنواع الموجودة في المكان وأعتقد أنّه أخذ حتى من طاولات العباد، وكان طبقي الصغيرأمام طبقيه العامرين مثل ديكٍ هزيل سعيد أمام عجلين سمينين يبكيان.
وما أن بدأ الالتهام حتى دفع (بكرشه) للأمام (لينظر إلى طبقي) ويقول بنبرةٍ قاطعةٍ حاسمة: (يا أستاذ إنت ما بتاكل!! إنت بتتسلى.. هو ما إنت بصايم؟!)..
سبحان الله.. وآخرة المقام أنّه شكّك بصيامي.. ولو كان مقياس الصيام على ما أفطر به صاحبي من طعام، لما كان صائماً أيٌّ من الصالحين.. وكلّ أطباء الهضم ومن خاف على بطنه إلى يوم الدين. والله أعلم (وللحديث شهية)..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ترفيه, قصص, مذكرات ذكي جداً | السمات:قصص, مذكرات ذكي جداً, ترفيه
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أكتوبر 11th, 2007 at 11 أكتوبر 2007 11:36 ص
معقول هذا الرجل المرعب تذكرت موظفا في الميناء منذ زمان اظن انه بنفس الاوصاف
كان ظريف جدا ولكنه كان مرعب عند الطعام والناس لا يأكلون معه
هل حدثتهذه القصة فعلاً
أكتوبر 11th, 2007 at 11 أكتوبر 2007 7:38 م
الحمد لله أنك تذكرت واحداً فقط.. فهم قلائل وندعو الله لهم بالعافية، فالإقبال المبالغ به على الطعام له الكثير من المحاذير من أبوابٍ كثيرة.. وهو على كل حال بخلاف ما دعانا إليه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.
أكتوبر 14th, 2007 at 14 أكتوبر 2007 10:27 ص
ألم يسأل رجلك هذا عن موعد السحور؟
ربما عليك ان ترد له العزيمة على وجبة بين فطور وسحور هذا اليوم
أكتوبر 15th, 2007 at 15 أكتوبر 2007 9:26 م
أحمد الله أنّها كانت مجانية وإلا لكان صاحبنا مضطرا أن يجالسه بعناء وجبةٍ أخرى، وهو ما يهرب منه كل من عاشوا تجربة واحدة معه.. وكأنّ لسان حاله يقول: فليأكل كما يشاء شفاه الله ولكن بعيداً عن عيوني.
أهلاً (أبو حميد..)
أكتوبر 26th, 2007 at 26 أكتوبر 2007 9:29 ص
مقال جميل ومكتوب بطريقة جميلة.
شكرا فعلا أضحكتنا وكلام صحيح يجب ان ننتبه للطعام في رمضان.
أدعوك لزيارة مدونتي والتعرف على أسرار نجاح الشركات العملاقة وقصص نجاحها.
تحياتي.
أكتوبر 26th, 2007 at 26 أكتوبر 2007 10:28 م
R.M أسعدني تعليقك، وسألبي الدعوة شاكراً بإذن الله.
أكتوبر 28th, 2007 at 28 أكتوبر 2007 3:25 م
فيها من المتعة بقدرِ ما فيها من الطرافة والظُرف
لقد رسمت بسمةً على شفتي .. عكست متعةً منتهى اللطف
أكتوبر 28th, 2007 at 28 أكتوبر 2007 9:14 م
لك امتناني لزيارتك الجميلة د. طاهر، وألف شكرٍ لك.
نوفمبر 8th, 2007 at 8 نوفمبر 2007 12:40 ص
شكرا على تعليقك الجميل
واتمنى ان نكون اصدقاء على مكتوب
نوفمبر 8th, 2007 at 8 نوفمبر 2007 6:48 ص
أهلاً.. صديقاً، وسهلاً.. في أي وقت.
يناير 6th, 2008 at 6 يناير 2008 5:48 م
مدونتك و لا أروع و كتاباتك جميله حقا ، سعدت لأكتشافي مدونتك و سأحاول قراءة كل ماجاء فيها لأنني مررت عليه سريعا لضيق وقتي و لكنها أعجبتني كثيرا لما تضمه من مواضيع منوعه و أتمنى لك التوفيق و أن تدرج الكثير و الكثير فنحن بالأنتظار
يناير 7th, 2008 at 7 يناير 2008 7:03 م
قضيت ساعة فسحتي في العمل أقرأ سطورك هذه للأجزاء الثلاثه و أعجبني أسلوبك كان كوميديا بعض الشيء و اضحكني بالفعل قضيت معها وقت جميل و مسلي أتمنى أن أقرأ المزيد لك
فبراير 15th, 2008 at 15 فبراير 2008 12:10 ص
أختي نيفين..
أسعدني مرورك.. كما أسعدني تقديرك الكريم..
أتمنى أن أكون عند حسن الظن.
أبريل 12th, 2008 at 12 أبريل 2008 12:07 م
مسائك سعيد
يبدو انني اصبحت مدمنة على مدونتك ان فعلا احبها ففيها التميز و الكلمات المحترمة
ثم استلطف جانب المرح الدي اجده حاضر في بعض كتاباتك و انت تدكرني بمقالتي اسرع كل الاشياء مجانا لكن بحق كنت اروع مني ثم لا ادري هناك الكثير من الاسئلة تشغلني عندما دخلت هنا ما د هناك الاخ احمد