إليكم أعيد الهواء..

كتبهام.أحمد عزالدين شربك ، في 26 كانون الأول 2008 الساعة: 10:58 ص

في هذا المساء طفح الكيل وامتلأ رأسي بكثيرٍ من الأخبار والأسئلة والهموم، أحسست به يصرخ من التخمة فقررت أن أتوقف عن التفكير.

مشيت ومشيت في شوارع المدينة الساهرة.. حتى بدأت أوائل الأفكار تتسرب لتترك بعض الفراغ.. دخل إليه الهواء.. وتنفست بعمق..

تأملت واجهات المحلات التجارية وقرأت الإعلانات الكثيرة.. وعند تلك الزاوية رأيت لوحةً تشير إلى مطعمٍ ومقهى.. دخلت إلى ممرٍ ضيق ومنه لساحةٍ مكشوفة فيها طاولاتٌ متناثرة، وفي الوسط نافورةٌ مزركشة تعزف من تطاير الماء لحناً يتناغم مع الحلم وصوت العصافير. جلست قرب الجدار الرخامي القصير.. ألصقت نفسي بالماء.. حدّقت فيه.. كانت الأضواء تتراقص مع اختلاجاته وتضيع معها العيون فلا تعد ترى أيّ شيء، وشعرت بالفراغ يزداد..

ارتفع صوت هاتفي المحمول ولم أسمع أيّ شيء.. وحتى القهوة التي جاءت وضعتُها على الحافة المبلّلة وشربتُ رائحتَها فقط..

لماذا أتيت؟.. هل كانت نشرة الأخبار؟ أم نشرة الناس والحياة!.. الناس خارج الحياة.. كيف يعيش الناس خارج الحياة؟ كان المزيد من الهواء يستعد.. وينتظر الدخول لرأسي المعبأ بالأسئلة.

لمعَتْ على صفحة الماء وجوه.. وجوهٌ أعرفها ووجوهٌ سمعت عنها.. ووجوهٌ بلا ملامح من الشرق ومن الغرب.. من الماضي ومن الحاضر..

لم أجرؤ على نبش عيوب من رحلوا.. ولكن.. هل مهّدوا لما نحن فيه؟

جررت بقية الوجوه إلى مقاعد الاتهام.. وضعتهم خلف القفص وقلت أمام القضاة: ألستم تقتلون بتفاهة الهمّ.. بالطمع الأحمق كلّ ما نعيش فيه؟.. اليوم وغداً وقادم الأيام!

تحجّرت عيوني على الأرض عند الحذاء فرأيت القطرات التي تسيل وتضيع.. هل تعرف أنّها تتجه للأسفل!.. هل يفكر الماء؟..

لماذا من أحب يحبون السقوط.. مثل هذا الماء..!

لمن يا أمتي تتركين خضرة السهول المشمسة وقمم الجبال..!

عصرني الألم فتذكرت أنّي لا أريد التفكير..

طردت المحكمة والقضاة فدخل المزيد من الهواء، وبدأ يزداد في رأسي ويزداد.. وبدأ الناس حولي يتلفتون.. لماذا يغيب الهواء!..

خرجتُ من المقهى على وقع نظرات النادل المنتصر.. للحظةٍ واحدة منحني كلّ الحب والاحترام الذي نستحقه دائماً من بعضنا.. فقط ليأخذ المالَ الزائد عن رائحة القهوة..

بحثت في الشوارع وفي دفاتر الناس عن كلّ لحظات الحب.. بدون مال.. بدون نخرٍ في الأخلاق.. فلم أعثر إلا على الفتات..

طردتُ كلّ تلك الأفكار والدفاتر فدخلَتْ بدلاً منها تلالٌ من الهواء..

اختلط في رأسي الخوفُ والفراغ فصرتُ أركض، وصارت تلاحقني جيوش الهواء.. لتدخل وتطرد ما تبقى فيه.. وكاد رأسي يكون خاوياً مليئاً بالأعاصير.. أسمع صرير الأبواب في غرفه الفارغة.. وأتذكر من وضعوا فيه الخوف والألم واليأس.. من القريبين والبعيدين.. الأغنياء والفقراء.. مِن ذوي الجاه والضعفاء.. ممّن صاغوا بأنانيتهم وقسوتهم وسوء أخلاقهم حياة مجتمعاتنا.. وصبغوها بأردأ الألوان..

وصلتُ لاهثاً إلى مرتفعٍ صغير والتفت.. كان المنظر ضبابياً والغشاوة تملأ عينيّ.. شعرت أنّ المدينة كلّها تكاد تكون.. بلا هواء، وتخيلت أنّ الناس ستتبدل لينبت عقدٌ جديد على جيد أمتي يؤمن بالفضيلة، ويفضّل السير حافياً على الركوب في آخر العربات بين الأمم..

وجاء الهواءُ الأخير.. يريد أن يملأ آخر زاويةٍ في رأسي.. ولكنّه وجد الإيمان.

وجد إلى جواره صوراً أخيرة لبعض قلوبٍ من الشرق والغرب تنبض بالحب.. وأيدٍ تنثر هنا وهناك بعض النور بالعلم والعمل.. تذكرتها والتمعت عيوني.. وغسلَتْ عنها الغشاوةَ دمعة.. دمعةٌ فيها الألم وبعض الأمل، وغمرتني من جديد أطيافٌ من الحلم بغدٍ قادمٍ أجمل.. ومثل كلّ الفرسان جمعْتُ قوتي من كلّ قطرة دمٍ تجري من القلب، وأخرجت الهواء..

إليكم أعيد الهواء فأنا وأنتم نستحق أن نعيش.. لنهزمَ الأخطاء.. لنزرعَ شمعاً على كلّ بقعةٍ من ظلام، ونتابع البناء..

نستحق الهواء لكي نتعبَ وننهض من جديد.. كي ننفضَ عن أحفادنا الذلّ ولا يعيشون عالةً على الأمم.. فنحن أبناء حضارةٍ لم يعرف مثلها التاريخ، ولن تعودَ إلا بالتعب.. والدعاء إلى الله، وأن نرجو تغيير حالنا.. برضاه.

إليكم أعيد الهواء..

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : خواطر | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

عفواً، التعليقات ممنوعة لهذا الإدراج



Blog counters