تحركت خصلة شعرٍ متمردة على جبين سارة.. كانت تجلس بجوار النافذة المفتوحة في صالة المنزل، أزاحتها عن عينيها بسرعة وتابعت الكتابة..
لقد اعتادت أن تتعامل مع هذا الحاسب كمادةٍ للقراءة أو التسلية، ولكنّها اليوم تجد طعماً جديداً لم تعتقد أنّه سيروق لها..
توقفت بعد دقائقَ مع صوت أمّها من مدخل البيت ينادي شقيقها الأصغر:
- عامر تعال لترى ماذا أحضر أبوك.
عرفت من جاء مع صوت إقفال باب البيت، ومع صوت والدها ومداعباته لأخيها الصغير تذكرت كيف كان يلاعبها منذ سنين ويقضي الكثير من الوقت معها.. كانت تتسلل إليه عندما يريد أن ينام بعد الظهر أو في المساء بعد أن تغادر أمها الغرفة لتتولى مهمة إسبال الغطاء عليه، وكان يترك نفسه لها وكأنّها أمّه الحنون..
فترت شفتاها عن ابتسامة عندما تذكرت كيف كان يعبث برجليه ليزيح الغطاء كي يعقّد لها المهمة.. وضحكت وقالت في نفسها كم كانت حلوة تلك الأيام.. لقد ذهبت لحالها. وهزّت رأسها بأسف.. لو يعلم أنّها أصبحت تنزعج قليلاً عندما يطلب منها الآن بعد كلّ هذه السنين أن تغطّيه. وتساءلت: ألم ينتبه أنّها أصبحت في المرحلة المتوسطة وأنّها كبرت على هذه الأمور!..
مدّت يدها لتتابع الكتابة ولكنّ عيناها شردتا من جديد..
تشعر أحياناً أنها لم تعد تفهم.. ببساطة لم تعد تفهمه.. أو أنّ الأمور يبدو أنّها أصبحت أعقد من السابق.. تداخلت أفكارها واصطدمت بحواجزَ ومطبات.. نعم يمكن أن تكون متأكدة.. لم تعد تعرف كيف تتعامل مع أبيها.. هذا الكلام الأكثر صراحة والذي بدأ يراودها.. كانت الأمور أسهل.. الآن تستغرب بعض آرائه وعلى وجه الخصوص عندما يتحدث عن قضايا تتعلق بها وعن أسلوب حياتها في البيت أو المدرسة أو.. همهمت سارة بصوت خافت وكأنها تساير نفسها مع تسلسل هذه الأفكار.. ثم شعرت بالأسى فلا يجوز أن تفكر بأبيها بهذه الطريقة.
هذا أمر لا يتعلق بالحب أو الاحترام.. تحدثت مع نفسها، وتابعت لتأكيد حجتها.. ليس عيباً أنني لم أعد أحب التوجيهات وكأنّني لا أحسن التصرف..
وفكرت أنّها من وجهة نظر الآخرين معدودة بين المتفوقات في المدرسة ورفاقها يميلون لرأيها، وحتى معلماتها يبدون إعجابهم دائماً بطريقة تفكيرها، ويقولون أنّها بنتٌ مؤدبة ولطيفة.
تنهدت وقد بدأت تتعب وحاولت أن تختم هذا السيل المفاجئ من الأفكار بفكرةٍ أخيرةٍ مرضية عن نفسها بأنّها ورغم كلّ شيء فهي تستمع لكلام أبيها وعموماً كبار عائلتها بصبر، وتلبي مطالبهم في ما تراه مناسباً وأحياناً غير مناسب.
حرّكت رأسها يميناً ويساراً بسرعة وكأنّها تريد أن تنفض الأفكار المتبقية، وعادت لتركّز على ما كانت تقوم به.
نظرت نحو الشاشة.. قرأت ما كتبَتْه حتى الآن.. لقد كلّفها والدها بأن تختار عشرة قصص من كتابٍ يضم العديد منها مما جرى مع نساءٍ وفتيات ناجحات، لأنّه كما قال قد قرر أن ينشر هذه القصص من خلال مجموعته






















